حاوره - إبراهيم السواعير - يكشف الشاعر مصطفى القرنة في كثير من مراثيه الحادة الساخرة عن حياة قتلت فيه كل جميل، وسحقت عنده كل محمود. ويطل القرنة، على استحياء، من شقوق قصائدة غير البريئة، على واقع ثقافي مر، وشعر يغص بالمقاربات الغريبة، أو يفسد بسذاجة النظم، ومسرح غلبت عليه ''فزعة'' الوزارة للتفتيش عما يقنع في ظل تجارته الرائجة، ومهرجانات أفرغت من مضمونها، وقد حضر لها في يوم أو يومين، وانتهت في يوم أو يومين، كذلك!
القرنة، عضو اتحاد الكتاب والأدباء الأردنيين، وسكرتير مجلة الكاتب الأردني، يصف مأساة الشعر بقوله:
يمسي الشاعر في بلادنا نشازا
ويصبح النشاز شاعرا
يملك ما آتاه الله من نوافذ
يطل من خلالها إطلالة هزيلة
ليمحق القراء بالقصائد القتيلة
ويأبى غزله إلا أن يحمل حزنا يقلبه إلى يأس وقنوط:
ويأتي الصباح:
تراي سآتي إليك؟
تراي سأسأل عنك السنونو وما رسمته السواقي
على صفحة الأرض
تراي سأرحل احمل حزني، وأمضي تماما
كمن عاد من حقله في المساء
ويسعى القرنة لتضمين قصائده بعضا مما عنده، كما في قصيدة'' المهلهل يناطح السحاب'':
في نهاية المسلسل
تقدم المهلهل
واستل سيفه
وحوقل
وضرب رأس جمله
وناطح السحاب بالحراب
وصاح في الصحراء:
من ينازل المهلهل؟!
ومما يلفتنا، أن القرنة، مع غلبة طابع حزين يغلف شعره، ينتصر لنفسه بالساخر المحمل، وعدم المشاركة في المهرجانات، وقد كتب منذ الثمانينيات أكثر من مسرحية: طيور الموت، وأشرقت شمس الدعوة، البائع الغريب، وأعد سيناريو مسلسل'' خيمة مشرعة للريح'' وغيرها، وتسلح بديوان'' السلاسل المحطمة''، الصادر عام 1988، وديوان'' صمت المدائن'' 1992، وشجعته جائزة وزارة التربية والتعليم للشعر في الثانوية العامة على المضي- الذي تعثر. وينطلق من أن الشاعر الحق هو'' القابض على الجمر، الذي يشقى ليصطلي بنار التجربة، ويحترق بوهج الألم، ويستعر بجذوة المبدأ، لتذروه الرياح إما هنا، وإما هناك. ويضيف القرنة أن التزام الشاعر هو ما يمده بالحياة رغم فترات الموت القصيرة التي تهيئه لحياة أطول. وبالرغم من محاولات القرنة الذاهبة أدراج الرياح للتصالح مع الشأن الثقافي وتلمس ما يعذر به نفسه- وهي على أية حال محاولات'' الراقص في العتمة''، الذي لا يفطن إليه أحد... بالرغم من كل ذلك، إلا أنه يعود للتأكيد على أن: كل من يقرأ المشهد الثقافي قراءة موضوعية يفجعه التشظي، والأسماء المكرورة، والصورة الضبابية القاتمة لإلغاء الآخر، والصراع المشبوب وتصفية الحسابات بين أجزاء الجسم الثقافي الواحد،.. وثمة حلقة مفرغة والجميع مشتركون في افتعالها.
ذاتية القرنة ذائبة في همومه، وهو لا يكتب للنخب الثقافية- مع أنه يمكن أن يجيد هذا اللون- ويفارق الكثيرين في أن المعاناة التي تخلق إبداعا، يمكن أن تلاحق الإبداع، وتقضي عليه. ويحزن لكثير من الشعراء الذين لا يستطيعون فك طلاسم أشعارهم؛ فإذا ما امتدحهم النقاد، قالوا: بالتأكيد، هذا ما نعنيه. ويأسى القرنة، في الآن ذاته لشعراء، لا تستوقفك أشعارهم، ولا تستهويك عواطفهم المصنوعة، أو أخيلتهم الجامدة في هذا القالب، أو ذاك. ويعجب لزهو شعراء- بعينهم- ناموا نومة المتنبي، واستيقضوا على طريقة امرؤ القيس؛ وساورتهم الظنون بمماثلة ابن العبد في قمة عطائه.
يناضل مصطفى القرنة ونفر من زملائه، للنهوض بمجلة الكاتب الأردني، الصادرة عن اتحاد الكتاب، معترفا بأن انغلاق المؤسسات الثقافي، لا بد يشكل مقبرة لها، شئنا أم أبينا.
ويردد القرنة، قصيدته العمودية'' وجد''، التي يبثها فيها ما يعانيه: لا تسألي يا وجد عن أحوالي/ أصبحت بعدك مثل ثوب بال... وتظل تغلب على القرنة سطوة الهموم، والوحدة، وفاقة عدم الالتفات إليه، فيعود أدراجه:
مثلما يعود التلاميذ من دروسهم أعود
وأحمل حزني،
وكل الكتابات التي كنت واريتها في الحقائب